الجيش ليس فوق المساءلة

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف أمام مسؤولية الجيش نفسه، لا مسؤولية الدعم السريع وحده.

القول بمسؤولية الدعم السريع عن جرائم وانتهاكات لا يعني منح قيادة الجيش شهادة براءة مسبقة من كل ما حدث في السودان. والاعتراف بأن الجيش مؤسسة الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها لا يعني أن قياداته معصومة من الخطأ أو أن تاريخ المؤسسة السياسي والعسكري يجب أن يخرج من دائرة المساءلة.

إذا كان البرهان يقول إنه كان يعلم بخطورة الدعم السريع منذ سنوات، وإنه حذّر من مشروعه، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:

ماذا فعلت قيادة الجيش عندما كانت تملك السلطة والوقت لمنع تحول هذه القوة إلى تهديد للدولة؟

من الذي سمح باستمرار وجود قوة عسكرية ضخمة موازية للجيش؟

من الذي شارك في الترتيبات السياسية والأمنية التي أبقت على تعدد مراكز القوة المسلحة؟

ومن الذي كان مسؤولاً عن إدارة العلاقة بين الجيش والدعم السريع بعد سقوط البشير؟

ومن الذي اتخذ القرارات التي أوصلت الطرفين في النهاية إلى الحرب؟

هذه ليست أسئلة ضد الجيش، وإنما أسئلة لحماية الجيش من أن يتحول إلى كيان فوق المساءلة.

فالجيش مؤسسة وطنية، لكن القيادات العسكرية أشخاص، والأشخاص يخطئون ويصيبون، ويجب أن يخضعوا للمحاسبة السياسية والقانونية عندما يثبت تقصيرهم.

والأخطر أن اختزال كل مسؤولية السودان في الدعم السريع و”العملاء والخونة” يريح قيادة الدولة من الأسئلة الصعبة: كيف نشأت هذه القوة أصلاً؟ لماذا تضخمت؟ لماذا فشلت ترتيبات الدمج؟ لماذا انهارت العاصمة بهذه السرعة؟ لماذا اندلعت الحرب داخل أهم مؤسسات الدولة؟ ولماذا دفع المدنيون الثمن الأكبر؟

ليس من العدل أن نطلب من السوداني أن يختار بين تقديس الجيش وتأييد الدعم السريع.

هناك طريق ثالث:

نقف مع الدولة، ونحافظ على الجيش كمؤسسة وطنية، ونرفض جرائم الدعم السريع، وفي الوقت نفسه نحاسب قيادة الجيش على أخطائها ومسؤولياتها.

هذه هي الوطنية التي لا تحتاج إلى تخوين أحد.

فالجيش ليس ملكاً للبرهان، كما أن السودان ليس ملكاً لأي قائد أو حزب أو حركة مسلحة.

والذين يطالبون بمحاسبة الدعم السريع على جرائمه يجب ألا يخافوا من السؤال عن مسؤولية الجيش عندما يكون السؤال مشروعاً.

العدالة لا تكون عدالة إذا كانت انتقائية، والحقيقة لا تصبح حقيقة لأنها تخدم طرفاً نحبه.

وهنا بالضبط تفترق الوطنية عن الدعاية:

الدعاية تقول: اسكت، فالجيش يحمي الدولة.

أما الوطنية فتقول:

احمِ الجيش من الأخطاء أيضاً، لأن الجيش الذي لا يُساءل قد يخطئ، والجيش الذي يُساءل يستطيع أن يبقى مؤسسة للدولة لا مؤسسة فوق الدولة.