استقلال السودان
قصة ميلاد الشعب السوداني الحر المستقل
1 يناير 1956: يوم خرج البريطانيون من الخ
رطوم وولد السودان المستقل

هناك أيام تمر على الشعوب مثل غيرها من الأيام، وهناك أيام تدخل التاريخ ولا تخرج منه أبداً.

الأول من يناير 1956 كان واحداً من تلك الأيام.

في ذلك الصباح لم تكن الخرطوم تستيقظ على يوم جديد فحسب، وإنما كانت تستيقظ على ميلاد دولة.

بعد 56 عاماً من الحكم الثنائي البريطاني المصري، وبعد سنوات طويلة من الحركة الوطنية والمقاومة السياسية والنضال من أجل تقرير المصير، جاء اليوم الذي انتظره السودانيون طويلاً.

السودان أصبح دولة مستقلة ذات سيادة.

وكان المشهد في الخرطوم أشبه بفصل أخير من عهد قديم وفصل أول من عهد جديد.


🇬🇧🇪🇬 من أعلام الحكم الثنائي إلى علم السودان

في صبيحة الأحد 1 يناير 1956 احتشدت الجماهير أمام القصر الجمهوري، وحضر كبار رجال الدولة والسياسة، ومن بينهم رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري وزعيم المعارضة محمد أحمد محجوب، إلى جانب ممثلي بريطانيا ومصر وكبار الشخصيات السودانية.

وفي الساعة التاسعة ودقيقتين تقريباً بدأ إنزال العلمين البريطاني والمصري.

كان ذلك المشهد يحمل معنى أكبر من مجرد مراسم عسكرية.

فالعلمان اللذان ظلا يرفرفان فوق السودان منذ نهاية القرن التاسع عشر كانا يهبطان للمرة الأخيرة.

وبعد دقائق ارتفع علم السودان.

وتذكر السجلات والصور التاريخية أن الأزهري والمحجوب كانا حاضرين في مراسم إنزال العلمين ورفع العلم السوداني، كما حفظ أرشيف جامعة دورهام صوراً للاحتفال والجماهير حول تمثال كتشنر، وصوراً للقوات البريطانية وهي تستعد لمغادرة السودان بعد الاستقلال.

وهكذا تغير المشهد:

رايات الحكم الثنائي تنزل…
وراية السودان ترتفع.


🕘 الساعة التاسعة… لحظة الميلاد

كانت الساعة التاسعة تماماً عندما أعلن إسماعيل الأزهري من داخل البرلمان مولد الدولة السودانية المستقلة.

وفي خطابه التاريخي قال:

«في هذه اللحظة الساعة التاسعة تماماً من اليوم الموافق أول يناير 1956م… نعلن مولد جمهورية السودان الأولى الديمقراطية المستقلة».

لم يكن الأزهري يتحدث عن نهاية الاحتلال فقط.

كان يتحدث عن بداية مسؤولية جديدة.

وهذه نقطة مهمة جداً.

فالرجل الذي أعلن الاستقلال لم يقل إن المهمة انتهت.

بل قال بوضوح:

«إذا انتهى بهذا اليوم واجبنا في كفاحنا التحريري فقد بدأ واجبنا في حماية الاستقلال وصيانة الحرية وبناء نهضتنا الشاملة».

أي أن الاستقلال عنده لم يكن نهاية الطريق.

كان بداية الاختبار الحقيقي.


🇸🇩 ماذا حدث داخل البرلمان؟

لم يكن رفع العلم وحده هو إعلان الاستقلال.

في البرلمان جرت واحدة من أهم اللحظات السياسية في تاريخ السودان.

عندما طرح رئيس البرلمان قرار إعلان الاستقلال للتصويت، ارتفعت أصوات النواب بالموافقة.

نعم واحدة… ولكنها كانت نعم لميلاد دولة.

وتصف الروايات التاريخية المشهد بأن أصوات النواب ارتفعت بقوة، بينما ضجت الشرفات بالتصفيق، وخرجت أصوات المدافع في الخارج تحية للاستقلال.

وكانت الجماهير قد احتشدت حول البرلمان وفي شوارع الخرطوم.

وبعد التصويت أقبل النواب من الحكومة والمعارضة على تهنئة بعضهم بعضاً، واختلطوا بالزوار والأجانب في مشهد احتفالي كبير.

تأملوا الصورة جيداً:

حكومة ومعارضة في يوم واحد،
يتبادلون التهاني،
والشعب خارج البرلمان يحتفل،
والمدافع تعلن ميلاد الدولة.

كان ذلك قبل أن تبتلع السياسة السودانية لاحقاً الكثير من ذلك التوافق.


📰 الخرطوم كانت تقرأ تاريخها في الصحف

لم تكن الصحافة السودانية يومها تنقل خبراً عادياً.

كانت الصحف تعيش لحظة تاريخية.

وفي الأيام الأولى بعد الاستقلال، يظهر لنا الأرشيف الصحفي كيف تحولت الصحف إلى سجل يومي لميلاد الدولة الجديدة.

فصحيفة The Sudan Times نشرت في 3 يناير 1956 عدداً خاصاً بالاستقلال، وتحدثت عن اعتراف دول عديدة بالسودان المستقل.

وفي 4 يناير كان عنوان المرحلة:

«الأسبوع الأول من الاستقلال»

وتناولت الصحيفة استمرار اعتراف الدول بالسودان واستعداد البلاد للانضمام إلى الأمم المتحدة.

وفي 8 يناير بدأت الصحيفة تتحدث عن تشكيل أول حكومة وطنية وعن إنشاء جهاز دبلوماسي للسودان المستقل.

وفي 9 يناير، بينما كانت المفاوضات السياسية حول تشكيل الحكومة مستمرة، كانت الصحيفة تسجل استمرار احتفالات السودانيين في الداخل والخارج بالاستقلال.

أي أن السودان لم يستيقظ بعد الاستقلال ليجد أن كل شيء قد انتهى.

بل وجد نفسه أمام سؤال أكبر:

كيف نبني الدولة؟


🇸🇩 السودان لم يكن مجرد علم جديد

بعد رفع العلم بدأت عملية بناء مؤسسات الدولة.

كان لا بد من إيجاد رأس للدولة بدلاً من الحاكم العام.

وكان لا بد من تشكيل المؤسسات الوطنية.

وكان لا بد من وضع دستور.

وكانت هناك قضية الجنوب بكل تعقيداتها.

وكانت هناك الخدمة المدنية والجيش والشرطة والقضاء والاقتصاد والعلاقات الخارجية.

وكان السودان أمام عالم جديد يجب أن يتعامل معه كدولة مستقلة.

ولهذا أقر البرلمان ترتيبات انتقالية، منها تشكيل مجلس سيادة مؤقت، ووضع ترتيبات لدستور جديد، والنظر في أوضاع الجنوب عند إعداد الدستور.

لم يكن الاستقلال إذن مجرد احتفال.

كان مشروع دولة كامل ينتظر أن يُبنى.


🇬🇧 وماذا فعل البريطانيون؟

من المهم ألا نزوّر التاريخ بالشعارات.

لم يكن خروج البريطانيين من الخرطوم في الأول من يناير معركة عسكرية.

لم تسقط الخرطوم في ذلك اليوم.

ولم يدخل السودانيون القصر الجمهوري بعد معركة.

بل جاء الاستقلال نتيجة مسار سياسي ودستوري واتفاقية تقرير المصير لعام 1953، التي فتحت الطريق أمام قيام حكومة انتقالية ثم تقرير مستقبل السودان.

وعندما جاء يوم الاستقلال، كان البريطانيون والمصريون طرفين في إجراءات الانتقال.

وفي خطابه، سجل الأزهري الشكر للحكومتين البريطانية والمصرية لتنفيذهما الالتزامات التي نصت عليها اتفاقية فبراير 1953.

وقال إنهما تطويان علميهما اللذين ظلا فوق السودان لعقود، ليرتفع مكانهما علم السودان المستقل.

لكن الاعتراف السياسي لا يعني أن كل مظاهر الوجود البريطاني اختفت في الدقيقة نفسها.

فالقوات البريطانية استمرت في ترتيبات الانسحاب، وتوثق الصور التاريخية وجود قوات بريطانية في محطة الخرطوم المركزية وهي تستعد لمغادرة البلاد بعد الاستقلال.

وهكذا كان المشهد:

السودان أصبح مستقلاً،
والوجود البريطاني بدأ الانسحاب،
والدولة الجديدة بدأت تمسك زمامها بنفسها.


🎉 الخرطوم لم تنم تلك الليلة

أما الجماهير، فكانت لها حكاية أخرى.

خرج السودانيون للاحتفال.

امتلأت الشوارع بالمواكب والهتافات.

وفي ميدان كتشنر أقيم احتفال شعبي كبير، وتوثق المصادر التاريخية مشاهد الجماهير وهي تحتفل بالاستقلال حول تمثال كتشنر.

وفي أم درمان والخرطوم اختلطت مظاهر الاحتفال السياسية والاجتماعية والشعبية.

أنصار، ختمية، طرق صوفية، سياسيون، طلاب، موظفون، عمال، تجار، أبناء المدن والأقاليم…

كلهم وجدوا أنفسهم في ذلك اليوم أمام حقيقة واحدة:

هناك دولة اسمها السودان أصبحت مستقلة.

وكانت الأغنية التي ارتبطت باللحظة تقول:

«اليوم نرفع راية استقلالنا
ويسطر التاريخ مولد شعبنا»

لم تكن مجرد أغنية.

كانت تعبيراً عن شعور جيل كامل بأنه يرى التاريخ بعينيه.


🗣️ الأزهري: الاستقلال ليس نهاية المعركة

من أكثر الأشياء التي تستحق التوقف عندها أن خطاب الأزهري لم يكن خطاب انتقام.

لم يدعُ إلى الانتقام من البريطانيين.

ولم يقل إن السودانيين يجب أن يعيشوا أسرى للماضي.

بل دعا إلى تجاوز الخوف وانعدام الثقة، وإلى بناء السودان كأمة واحدة.

وقال:

«وأن نُقبل على هذا الواجب الجسيم إخوة متعاونين وبنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً، وأن نواجه المستقبل كأبناء أمة واحدة متماسكة قوية».

وهنا تظهر قيمة الخطاب التاريخية.

لأن السودان الذي خرج من الحكم الثنائي كان يحتاج إلى شيء أكبر من الاستقلال:

كان يحتاج إلى الوحدة الوطنية وبناء المؤسسات.


🌍 وبعد الاستقلال مباشرة بدأ السودان يتحرك في العالم

لم يمر وقت طويل حتى بدأت الدول تعترف بالسودان.

وفي الأيام الأولى سجلت الصحف أخبار الاعترافات الدولية بالسودان.

ثم بدأ السودان خطواته نحو الانضمام إلى الأمم المتحدة.

وفي 18 يناير 1956 كانت الصحافة تتحدث عن تقدم السودان بطلب العضوية في الأمم المتحدة.

وفي 21 يناير أصبح السودان عضواً في جامعة الدول العربية وفق أرشيف الصحافة السودانية لذلك العام.

وفي الأول من فبراير كانت الصحف تسجل أخبار أول سفير بريطاني في الخرطوم، وتهاني البابا للسودان بالاستقلال، وتطورات الدولة الجديدة.

أي أن السودان خلال أسابيع قليلة انتقل من:

مستعمرة/حكم ثنائي → دولة مستقلة → دولة تبحث عن موقعها في العالم.


عندما نرى صورة الأزهري والمحجوب أمام القصر، والعلمين البريطاني والمصري وهما ينزلان، والعلم السوداني وهو يرتفع، لا ينبغي أن نراها كصورة احتفالية فقط.

يجب أن نسأل:

ماذا كان السودانيون يحلمون به في ذلك اليوم؟

كانوا يحلمون بدولة قوية.

بدولة مستقلة.

بدولة تحترم المواطن.

بدولة لا تحكمها قوة أجنبية.

بدولة تجمع الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط.

بدولة تكون فيها المواطنة فوق القبيلة والطائفة والحزب.

وكان خطاب الأزهري نفسه يضع هذه المسؤولية أمام السودانيين بوضوح:

انتهى واجب الكفاح التحريري، وبدأ واجب حماية الاستقلال وصيانة الحرية وبناء النهضة.

وهذه العبارة ربما تكون أهم من كل مراسم رفع العلم.

لأن الاستقلال يمكن أن تحصل عليه الشعوب.

لكن الدولة لا تُبنى بالاحتفالات وحدها.

🇸🇩 1 يناير 1956

في ذلك الصباح:

نزل العلم البريطاني.

نزل العلم المصري.

ارتفع علم السودان.

أعلنت الدولة استقلالها.

هتفت الجماهير.

دوت المدافع.

احتفل البرلمان.

غادر الحكم الثنائي.

وبدأت دولة جديدة تبحث عن مكانها في العالم.

كان ذلك اليوم لحظة فرح لا يمكن إنكارها.

وكان أيضاً بداية مسؤولية لا يمكن الهروب منها.

لقد خرج البريطانيون من الخرطوم…
🇸🇩 رحم الله كل من ناضل من أجل استقلال السودان.

🇸🇩 ورحم الله شهداء الوطن.

🇸🇩 والمجد للسودان، يوم رفع رايته حراً مستقلاً.

1 يناير 1956 — يوم لم يخرج فيه البريطانيون فقط، بل وُلدت أمام السودانيين مسؤولية وطن كامل.