#الجيش السوداني.. أين الجيش الوطني؟
هناك سؤال ظل السودانيون يؤجلونه لعقود، ربما خوفاً من الاقتراب من منطقة محرمة، وربما لأن كلمة «الجيش» في الوجدان السوداني ارتبطت دائماً بمعاني الشرف والتضحية والوطنية.
لكن السؤال اليوم لم يعد قابلاً للتأجيل:
إذا كان الجيش مؤسسة وطنية، فلماذا ظل السودان يدفع ثمن تدخل الجيش في السياسة والحكم والحروب الداخلية منذ الاستقلال؟
هذه ليست دعوة إلى كراهية الجيش، ولا انتقاصاً من الجنود والضباط الذين ماتوا دفاعاً عن البلاد. بل هي محاولة للفصل بين الجيش كقوة عسكرية وطنية وبين المؤسسة العسكرية حين تتحول إلى لاعب سياسي وصاحب حق في تحديد من يحكم السودان.
فالوطنية ليست رتبة عسكرية، وليست بدلة، وليست دبابة.
الوطنية هي أن تعرف المؤسسة حدودها.
من يحمي الدولة لا يحكمها
بعد استقلال السودان عام 1956، لم يمضِ سوى عامين حتى دخل الجيش إلى القصر السياسي.
في 1958 استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة، في انقلاب ارتبط أيضاً بطلب من رئيس الوزراء عبد الله خليل، أي أن السياسيين أنفسهم فتحوا الباب للعسكريين. لكن فتح الباب مرة لا يجعل الحكم العسكري حقاً دائماً.
ثم جاءت 1969.
ثم جاءت 1989.
ثلاثة انقلابات ناجحة خلال العقود الأولى من استقلال السودان، وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة تقريباً:
الجيش يدخل السياسة بحجة إنقاذ الدولة، ثم تتحول «مرحلة الإنقاذ» إلى نظام حكم.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن المشكلة ليست في انقلاب واحد.
المشكلة في النمط.
الدراسات التاريخية والسياسية عن السودان تشير إلى أن العلاقة بين العسكريين والمدنيين ظلت غير مستقرة منذ الاستقلال، وأن الانقلابات العسكرية في 1958 و1969 و1989 قطعت فترات الحكم المدني.
إذن نحن أمام سؤال أكبر من سؤال «من قام بالانقلاب؟».
السؤال هو:
لماذا أصبح الانقلاب في السودان خياراً سياسياً متاحاً كلما وصلت البلاد إلى أزمة؟
الجيش الذي يحكم.. من يحميه من نفسه؟
كل انقلاب يبدأ تقريباً بنفس اللغة:
«الوطن في خطر».
«السياسيون فشلوا».
«الاقتصاد انهار».
«الأحزاب اختلفت».
«لا بد من إنقاذ السودان».
ثم يأتي الجيش.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
يختفي السؤال الأهم:
ومن ينقذ السودان من الجيش عندما يصبح الجيش نفسه جزءاً من الأزمة؟
هذه هي الحلقة التي لم نكسرها.
السياسيون يفشلون، فيستدعون الجيش.
الجيش يستولي على السلطة.
يفشل الحكم العسكري.
تندلع مقاومة شعبية.
يسقط النظام.
تعود الأحزاب.
تختلف الأحزاب.
ثم يعود الجيش مرة أخرى.
وهكذا يتحول السودان إلى بلد لا يتعلم من تاريخه، وإنما يعيد إنتاجه.
وهل كانت الحروب الأهلية كلها صدفة؟
السؤال هنا أكثر قسوة.
لم تكن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمواطن السوداني دائماً علاقة حماية.
فقد خاضت الدولة