أ. نجلاء كرار تكتب..
من فضّ الاعتصام إلى حوار البرهان… نبيل أديب: أين تقف العدالة حين يتقاطع القانون مع السياسة؟
هناك أسئلة لا يجوز أن تموت بالتقادم، ولا أن تُدفن تحت ركام الحرب، ولا أن تصبح رهينة لتبدّل التحالفات والمواقف السياسية.
وفي مقدمة هذه الأسئلة يظل سؤال فضّ اعتصام القيادة العامة قائماً:

أين وصلت الحقيقة؟ وأين نتائج التحقيق؟

لم تكن مجزرة فضّ الاعتصام حدثاً عابراً في تاريخ السودان. كانت واحدة من أكثر الوقائع إيلاماً في مسار الثورة السودانية، وخلّفت قتلى ومفقودين وجرحى، كما تركت وراءها آلاف الأسر التي لا تزال تنتظر معرفة الحقيقة الكاملة ومَن يتحمل المسؤولية عنها.

ولهذا، عندما أُسندت مهمة التحقيق إلى لجنة برئاسة المحامي نبيل أديب، لم ينظر السودانيون إلى الأمر باعتباره مجرد إجراء قانوني.

بالنسبة لأسر الشهداء والمفقودين، كانت اللجنة نافذة أمل.

كان المنتظر منها أن تصل إلى الحقيقة، وأن تحدد المسؤوليات، وأن تجيب عن الأسئلة الأساسية:

من أصدر الأوامر؟ من نفّذ؟ من شارك؟ ومن تستر؟

وكانت التوقعات أكبر لأن رئيس اللجنة لم يكن سياسياً، بل رجل قانون تولّى مهمة يفترض أن تقوم على الاستقلال والحياد والبعد عن الاصطفافات.

وبحسب تصريحات سابقة لنُسبت إلى أديب، كانت اللجنة قد قطعت شوطاً كبيراً في التحقيق، واستمعت إلى أعداد كبيرة من الشهود، كما شملت تحقيقاتها قيادات عسكرية رفيعة.

لكن، رغم مرور سنوات، لا يزال الرأي العام السوداني ينتظر النتيجة النهائية التي تضع النقاط على الحروف.

وهنا تبدأ المفارقة الأخلاقية التي لا يمكن تجاوزها بالصمت.

من رئيس لجنة تحقيق إلى طرف في مسار سياسي
أن يمارس رجل القانون حقه كمواطن في إبداء الرأي أو المشاركة في الحياة العامة، فهذا من حيث المبدأ حق لا ينبغي مصادرته.
لكن المسألة تتغير جذرياً عندما يكون هذا الرجل نفسه قد تولّى رئاسة لجنة تحقيق في واحدة من أكثر الجرائم حساسية في تاريخ السودان، ثم يظهر لاحقاً في مسار سياسي تتصل أطرافه بأشخاص ومؤسسات كانت اللجنة نفسها معنية بالتحقيق في أدوارها.

هنا لا يعود السؤال:

هل يحق لنبيل أديب أن يمارس السياسة؟

بل يصبح السؤال الأكثر عمقاً:

هل تسمح أخلاقيات موقعه السابق بأن ينتقل من موقع المحقق المستقل إلى موقع الفاعل أو المساند أو المشارك في مشروع سياسي يرتبط بأحد أطراف المشهد الذي كان محل تحقيق؟

هذه ليست إدانة شخصية، وليست حكماً قضائياً على أحد.

إنها مسألة ثقة عامة ومظهر من مظاهر تضارب الأدوار.

فالعدالة لا تعتمد فقط على أن يكون المحقق مستقلاً بالفعل، وإنما تحتاج أيضاً إلى أن يطمئن الناس إلى استقلاله، وأن تبدو مواقفه العامة منسجمة مع ذلك الاستقلال.

المفارقة الأكبر
المفارقة تصبح أكثر حدة عندما نضع المشهدين جنباً إلى جنب:
في المشهد الأول، رجل قانون يترأس لجنة تحقيق في فضّ الاعتصام، ويُفترض أن تبحث اللجنة في المسؤوليات السياسية والعسكرية والقانونية المرتبطة بما حدث.

وفي المشهد الثاني، الرجل نفسه يظهر في إطار سياسي مرتبط بمبادرة أو حوار يقوده قائد عسكري كان موقعه ومسؤوليته ضمن السياق الذي تناولته التحقيقات.

حتى لو افترضنا أن المشاركة السياسية لا تعني بالضرورة تبنّي مواقف الرجل أو تبرئة أي طرف، فإن مجرد الانتقال بين الموقعين يطرح سؤالاً أخلاقياً مشروعاً:

كيف يمكن الحفاظ على المسافة نفسها بين المحقق والسلطة السياسية عندما يصبح المحقق السابق جزءاً من مسار سياسي تتصل به تلك السلطة؟

هذه هي المفارقة التي تستحق النقاش، لا شخصية نبيل أديب وحدها.

العدالة ليست وظيفة تنتهي بانتهاء التكليف
رجل القانون الذي يتولى مهمة عامة بالغة الحساسية لا يعمل في فراغ.
إنه يعمل أمام ضحايا، وأسر، ورأي عام، وتاريخ.

ولهذا فإن المسؤولية الأخلاقية لا تنتهي بمجرد انتهاء المهمة الرسمية.

فإذا كانت هناك قضية عامة لم تُحسم بعد، وملف لم تُعلن نتائجه للرأي العام، وشهداء ومفقودون ينتظرون الحقيقة، فإن الانتقال إلى أدوار سياسية جديدة قبل إغلاق ذلك الملف بصورة واضحة وشفافة يخلق، على أقل تقدير، شبهة تضارب في الأدوار ومشكلة في الثقة العامة.

وهذه المشكلة لا تُحل بالقول إن الرجل مواطن له الحق في العمل السياسي.

فالحق الشخصي شيء، والمسؤولية الأخلاقية المترتبة على شغل منصب عام سابق شيء آخر.

ماذا عن الضحايا؟
هناك من يتعامل مع ملف فضّ الاعتصام وكأنه ملف سياسي من ملفات الماضي، يمكن تجاوزه كلما تغيرت الظروف.
لكن بالنسبة لأسر الشهداء، الأمر مختلف تماماً.

الأم التي فقدت ابنها لا تنظر إلى الأمر باعتباره خلافاً بين القوى السياسية.

وأسرة المفقود لا تستطيع أن تضع القضية في درج التاريخ ثم تنتقل إلى ملف آخر.

هؤلاء يريدون إجابة بسيطة:

ماذا حدث لأبنائنا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

ولذلك فإن أي حوار سياسي لا يضع قضية العدالة والضحايا في قلب أجندته سيظل ناقصاً، مهما كانت الشعارات التي تُرفع باسمه.

والحوار؟
إذا كان الحوار السوداني–السوداني المقترح يراد له أن يكون طريقاً للخروج من الحرب والأزمة، فإن ذلك يستحق الدعم من حيث المبدأ.
لكن الحوار الحقيقي لا يعني محو الماضي.

والسلام لا يعني إسقاط حقوق الضحايا.

والمصالحة لا تعني أن يُطلب من أسر الشهداء أن تنسى.

بل إن أي عملية سياسية جادة تحتاج إلى معالجة إرث الانتهاكات، لأن تجاهل الجراح لا يؤدي إلى شفائها؛ بل يؤجل انفجارها.

ومن هنا، فإن السؤال الموجه إلى كل المشاركين في أي حوار سياسي، وليس إلى نبيل أديب وحده، هو:

أين العدالة في خارطة المستقبل؟

يا أستاذ نبيل أديب…
ليس الاعتراض على حقك في ممارسة العمل العام.
وليس من حق أحد أن يصادر عليك هذا الحق.

لكن لأنك كنت رئيساً للجنة تحقيق ارتبط اسمها بواحدة من أكثر القضايا حساسية في وجدان السودانيين، فإن من حق الناس أن يسألوك:

أين انتهى ذلك التحقيق؟

ماذا حدث للنتائج التي قيل إن اللجنة توصلت إليها؟

ولماذا لم يرَ السودانيون حتى الآن خاتمة واضحة لهذا الملف؟

ومن حقهم أيضاً أن يسألوا:

كيف تضمن أن انتقالك من موقع التحقيق إلى موقع المشاركة السياسية لا يؤثر، ولو على مستوى الثقة العامة، في صورة ذلك التحقيق واستقلاله؟

هذه الأسئلة ليست خصومة شخصية.

إنها أسئلة دولة وقانون وأخلاق عامة.

لا يمكن بناء المستقبل فوق أسئلة معلقة
السودان اليوم يحتاج إلى السلام، ويحتاج إلى الحوار، ويحتاج إلى وقف الحرب، ويحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة.
لكن السودان يحتاج أيضاً إلى العدالة.

فلا يمكن أن تكون العدالة انتقائية؛ تُستدعى عندما تخدم طرفاً، وتُنسى عندما تتغير موازين القوى.

ولا يمكن أن تتحول دماء الشهداء إلى مجرد فصل قديم في كتاب الثورة، بينما يبدأ السياسيون في كتابة فصل جديد وكأن شيئاً لم يحدث.

الحوار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن العدالة.

والمصالحة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الحقيقة.

والسلام لا ينبغي أن يعني إسقاط حق الضحايا.

وإذا كان المطلوب فتح صفحة جديدة في تاريخ السودان، فمن حق السودانيين أن يسألوا:

كيف نفتح صفحة جديدة، بينما الصفحة السابقة لم تُقرأ حتى نهايتها؟

إن أمهات الشهداء لسن تفصيلاً هامشياً في أي حوار.

وأسر المفقودين ليست أرقاماً في التقارير.

ودماء الذين خرجوا مطالبين بالحرية والدولة المدنية ليست ورقة تفاوض.

والعدالة ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.

لذلك، سيظل السؤال قائماً:

أين تقرير لجنة فضّ الاعتصام؟

أين الحقيقة؟

أين حقوق الضحايا؟

ومن يتحمل المسؤولية؟

هذه الأسئلة لا تخص نبيل أديب وحده، ولا البرهان وحده، ولا أي طرف سياسي بعينه.

إنها أسئلة تخص السودان كله.

وسيظل من حق الشعب السوداني أن يطرحها، مهما تغيرت الحكومات، ومهما تبدلت التحالفات، ومهما طال أمد الحرب.

فالدم لا يسقط بالتقادم في ذاكرة الضحايا، والعدالة لا ينبغي أن تصبح ورقة في لعبة السياسة.

لا حوار بلا حقيقة.
ولا مصالحة بلا إنصاف.
ولا سلام مستدام بلا عدالة