هل الدولة السودانية في العناية المركزة؟
إذا صحّ التصريح المنسوب إلى مني أركو مناوي بأن الحركات المسلحة ستظل موجودة في الشمال والشرق والوسط، ومن شعر بالضيق فمعبر أرقين قريب، فهذه ليست مجرد عبارة عابرة، وإنما تكشف أزمة حقيقية في مفهوم الدولة السودانية.
مناوي ليس مواطنًا عاديًا؛ فهو حاكم لإقليم دارفور وقائد حركة مسلحة وقواته جزء من القوة المشتركة. ولذلك من حق الشعب السوداني أن يسأل:
أين كان مناوي والحركات المسلحة عندما اندلعت الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع؟
لماذا وقفوا في البداية يراقبون المشهد، ينتظرون أي الطرفين سيفرض سيطرته؟ ثم عندما بدأت كفة القوات المسلحة تميل لصالحها، ظهرت الحركات المسلحة ووقفت إلى جانب الجيش؟
هذا سؤال مشروع، ولا ينتقص من حق أحد في اتخاذ موقفه.
لكن الأخطر اليوم هو أن يتحول هذا التحالف العسكري إلى ترتيب دائم لمناطق النفوذ المسلحة.
إذا كانت الحركات تقاتل إلى جانب الجيش دفاعًا عن السودان، فمكانها في جبهات القتال حيث تحتاجها الدولة، في دارفور وكردفان وكل منطقة سودانية تواجه خطرًا، وليس في الشمال والشرق والوسط لتأمين وجود عسكري مستقل.
وإذا كان الاحتفاظ بهذه القوات سببه الخوف من ان الجيش يغدر بهم فهنا تظهر الحقيقة بوضوح:
هذا ليس تحالف ثقة، وإنما تحالف مصالح فرضته الحرب؛ كل طرف يحتاج الآخر، لكنه لا يثق به بالكامل.
وهنا نصل إلى أصل المشكلة:
هل أصبح من يملك قوة مسلحة يعتبر نفسه دولة؟
هل أصبح امتلاك السلاح يمنح صاحبه الحق في أن يقول للسوداني: إذا ضاق بك وجودنا، فمعبر أرقين قريب؟
لا يا مناوي. السودان ليس ملكًا للحركات المسلحة، ولا الشمال ولا الشرق ولا الوسط ساحات نفوذ خاصة لأحد.
الدولة السودانية قد تكون اليوم ضعيفة ومصابة، وقد تكون فعلًا في العناية المركزة، لكنها لم تمت.
وواجبنا أن نُنعشها، ونبني مؤسساتها، ونستعيد هيبتها، ونضع كل السلاح تحت سلطة الدولة، وجيشًا وطنيًا واحدًا وقرارًا وطنيًا واحدًا.
فلا مناوي دولة، ولا البرهان دولة، ولا أي قائد مسلح دولة.
الدولة هي السودان.
ومن يظن أن ضعف الدولة يمنحه حق التصرف فوقها، عليه أن يدرك أن الدول قد تمرض، لكنها لا تموت.
وسيأتي اليوم الذي تستعيد فيه الدولة السودانية عافيتها وتقف على قدميها، وعندها لن يكون في السودان مكان لمن يضع بندقيته فوق الدولة، أو يعتقد أن قوته المسلحة تمنحه وطنًا خاصًا داخل الوطن.
Mohammed Sharia
من الصراع على السلطة إلى بناء الدولة.