أيهما أولا؟ إصلاح الأحزاب أم إصلاح المؤسسة العسكرية؟
كثيرا ما نطرح السؤال:
أيهما يجب أن نصلح أولا؟
الأحزاب والمؤسسات السياسية، أم المؤسسة العسكرية؟
وقد يبدو السؤال وكأننا أمام خيارين، لكن في الحقيقة نحن أمام مسارين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
إصلاح المؤسسة العسكرية ضرورة لبناء دولة مستقرة، وهذا يعني أن تكون مؤسسة وطنية مهنية، موحدة، بعيدة عن العمل السياسي، وتعمل وفقا للقانون، وتخضع للسلطة المدنية التي تأتي بإرادة الشعب.
لكن في المقابل، من يستطيع ممارسة هذه الرقابة المدنية إذا كانت المؤسسات السياسية نفسها ضعيفة أو منقسمة أو تعاني من أزمات داخلية؟
هنا تظهر أهمية إصلاح الأحزاب.
الحزب السياسي ليس مجرد اسم أو مجموعة من القيادات، وليس مكانا للبقاء في القيادة إلى ما لا نهاية. الحزب مؤسسة يفترض أن تقوم على الديمقراطية الداخلية، وتداول القيادة، وتجديد الأفكار والكوادر، والشفافية، واحترام الاختلاف، وإتاحة الفرصة للشباب والنساء للمشاركة في صناعة القرار.
فلا يمكن أن نطالب ببناء دولة ديمقراطية، بينما بعض مؤسساتنا السياسية نفسها لا تمارس الديمقراطية داخلها.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نطالب الأحزاب بأن تبني دولة مدنية، بينما تظل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي غير واضحة.
لذلك، القضية ليست:
من نصلح أولا؟
بل:
كيف نبدأ إصلاح الدولة من جميع الجهات، بحيث لا يظل إصلاح طرف رهينا بإصلاح الطرف الآخر؟
نحن بحاجة إلى مؤسسة عسكرية تعرف حدود دورها، وتحمي الوطن ولا تدير السياسة.
ونحن بحاجة أيضا إلى أحزاب سياسية تعرف مسؤوليتها، وتمارس السياسة عبر البرامج والأفكار وصندوق الاقتراع، لا عبر الصراع على الأشخاص والمواقع.
نحتاج إلى مؤسسات سياسية قوية، حتى تستطيع ممارسة الرقابة المدنية.
ونحتاج إلى مؤسسة عسكرية مهنية، حتى تستطيع حماية الدولة دون أن تصبح طرفا في الصراع السياسي.
الإصلاح الحقيقي لا يعني تغيير الأشخاص فقط، بل تغيير طريقة التفكير وإدارة المؤسسات.
فإذا تغيرت الوجوه وبقيت العقلية نفسها، فلن يتغير شيء.
وإذا طالبنا بالديمقراطية في الدولة ولم نمارسها داخل مؤسساتنا، فسنظل نكرر الشعارات دون أن نبني الممارسة.
السودان لا يحتاج إلى إصلاح مؤسسة واحدة وترك بقية المؤسسات كما هي.
السودان يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين السياسة والدولة والمؤسسات العسكرية والقانون، على أساس واضح يحفظ لكل مؤسسة دورها وحدودها.
ربما السؤال الأهم إذن ليس:
أيهما أولا؟
بل:
متى نبدأ في إصلاح أنفسنا ومؤسساتنا معا، بدلا من أن ننتظر أن يصلح أحدنا الآخر؟
بقلم
نجلاء كرار
