#البرهانـ يقول ـنصف الحقيقة مرة أخرى #قراءة في خطاب 10 سبتمبر
في كل مرة يتحدث فيها الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن مستقبل السودان، يخرج لنا خطاب يبدو في ظاهره أكثر انفتاحاً على الحوار، لكنه عند تفكيكه يكشف شيئاً آخر: الاعتراف بالحوار بشرط ألا يمس الرواية التي صنعتها السلطة، وألا يغيّر موازين القوة التي فرضتها الحرب.
وهذا تحديداً ما يجعل حديث البرهان الأخير أمام الإعلاميين السودانيين جديراً بالتوقف، لا باعتباره مجرد تصريحات لرئيس مجلس السيادة، وإنما باعتباره محاولة لرسم رواية رسمية لما حدث، ولما يجب أن يحدث بعد الحرب. المشكلة أن البرهان—كما حدث في مناسبات كثيرة—يقول نصف الحقيقة ويترك النصف الآخر في الظل.
أولاً: «ملتزمون بمخرجات الحوار»… ولكن أي حوار؟
يقول البرهان إن الدولة ملتزمة بتنفيذ مخرجات الحوار التي تصب في صالح الشعب السوداني. الجملة جميلة، لكن المشكلة في كلمة واحدة: «التي».
أسئلة جوهرية: من سيحدد أي المخرجات تصب في صالح الشعب وأيها لا تصب؟ هل هو الشعب؟ أم القوى السياسية؟ أم البرلمان المنتخب؟ أم السلطة التنفيذية والعسكرية القائمة؟
معنى الالتزام: الالتزام الحقيقي بالحوار لا يعني أن أقبل مسبقاً فقط بالنتائج التي تتوافق مع رؤيتي، بل أن تدخل إليه وأنت مستعد لقبول نتيجة قد لا تعجبك.
أن تقول: «سننفذ مخرجات الحوار التي نراها في صالح الشعب»، فهذا يفتح الباب أمام السلطة لكي تصبح حَكماً وخصماً في الوقت نفسه.
السؤال المطروح: هل تلتزم المؤسسة العسكرية مسبقاً بنتائج الحوار حتى لو جاءت ضد مصالحها السياسية والاقتصادية أو طالبت بإخراجها من المجال السياسي؟ هذه هي الإجابة التي لم يقدمها الخطاب.
ثانياً: «الحوار مدني ولا علاقة له بالعسكريين»… ممتاز، ولكن ماذا عن سلطة العسكريين؟
يقول البرهان إن الحوار الوطني يشمل القوى السياسية والمدنية فقط ولا علاقة له بالقوى العسكرية. من حيث المبدأ، هذه فكرة يمكن الترحيب بها؛ فالسودان بحاجة فعلاً إلى أن تتوقف المؤسسة العسكرية عن لعب دور الحزب السياسي الذي لا يرتدي زياً حزبياً.
لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: إذا كان العسكريون خارج الحوار، فهل سيكونون أيضاً خارج صناعة القرار الناتج عنه؟
لا يمكن أن يكون الجيش خارج الحوار ثم يحتفظ لنفسه بحق تحديد ما يقبل وما يرفض من نتائجه.
إذا كان الحوار مدنياً، فيجب أن تكون نتائجه السياسية مدنية.
إذا كانت المؤسسة العسكرية تقول إنها لا علاقة لها بالحوار، فعليها أن تقول بوضوح: «سنحترم ما يتوافق عليه السودانيون، وسنعود إلى ثكناتنا ومهامنا الدستورية».
غير ذلك يعني أن الحديث عن «حوار مدني» قد يتحول إلى مجرد حوار مدني تحت سقف عسكري—وهذا